في صباح أحد الأيام، وقفت أمام شاشة حاسوبي وأنا أشاهد أداة ذكاء اصطناعي تكتب مقالاً كاملاً في أقل من دقيقة. شعرت حينها ببرودة غريبة؛ هل انتهى دوري؟ هل أصبحت كلماتي التي أقضي ساعات في صياغتها مجرد ضجيج يمكن استبداله بضغطة زر؟ الحقيقة أنني فكرت جلياً في إغلاق مدونتي والبحث عن مهنة أخرى لا يمكن للآلة تقليدها، لكنني قررت القيام بتجربة عكسية قبل الاستسلام.
بدأت بنشر مقالات كتبها الذكاء الاصطناعي بالكامل، وكانت النتيجة صادمة: الزيارات انخفضت، والتفاعل انعدم تماماً. القراء لم يكونوا أغبياء، لقد شعروا بتلك "البرودة" في الكلمات، كانت الجمل صحيحة لغوياً لكنها خالية من الروح، تشبه طعام المستشفيات؛ مغذٍ لكنه بلا طعم. حينها أدركت أن الذكاء الاصطناعي لم يأتِ ليقتل التدوين، بل جاء ليقتل "المحتوى الآلي" الذي كنا نكتبه نحن البشر لسنوات طمعاً في إرضاء محركات البحث.
عدت إلى الكتابة بأسلوبي القديم، لكن مع إضافة "البهارات" التي تفتقدها الآلة. بدأت أكتب عن الأخطاء التي ارتكبتها، عن اللحظات التي فشلت فيها في تطبيق نصيحة قرأتها في كتاب، وعن الشعور الحقيقي الذي غمرني عند تحقيق أول دولار من التدوين. والنتيجة؟ عادت الأرقام للصعود، ليس لأنني أذكى من الخوارزمية، بل لأنني "إنسان" يكتب لإنسان آخر. الناس اليوم، وفي ظل طوفان المحتوى المنتج آلياً، أصبحوا متعطشين أكثر من أي وقت مضى للمصداقية وللتجارب البشرية الحقيقية التي تحمل بصمة صاحبه وعيوبه الشخصية.
السر الذي تعلمته من هذه التجربة هو أن النجاح في التدوين اليوم لا يعتمد على "ماذا" تكتب، بل على "من" يكتب وكيف يربط المعلومة بموقف حياتي واقعي. أنا الآن أستخدم الذكاء الاصطناعي ليساعدني في ترتيب أفكاري أو تصحيح أخطائي الإملائية، لكنني لا أسمح له أبداً بأن يسرق صوتي. التدوين لم يمت، بل استعاد قيمته الحقيقية كمنصة للتعبير البشري الصادق، والذكاء الاصطناعي ببساطة غربل الساحة ليترك البقاء للأكثر تأثيراً وصدقاً، لا للأكثر سرعة في النسخ واللصق.